—بقلم: هئية التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
في الوقت الذي تروّج فيه المنصات الرقمية لخطاب الحداثة والابتكار وخلق فرص الشغل، تكشف الوقائع الميدانية عن وجه آخر أكثر قتامة، عنوانه الهشاشة، وانعدام الحماية، والتخلّي المفاجئ عن عمال أفنوا سنوات من عمرهم في خدمة منظومة راكمت الأرباح وتنكّرت للالتزامات. واقعٌ يضع علامات استفهام كبرى حول حقيقة “الاقتصاد الرقمي” عندما يُمارَس خارج أي ضابط قانوني أو أخلاقي.
في هذا السياق، جاء تصريح سمير فرابي، الأمين العام للنقابة الديمقراطية للنقل، ليكسر جدار الصمت، ويفضح ممارسات خطيرة أقدمت عليها بعض منصات النقل عبر التطبيقات الذكية، تمثّلت في طرد تعسفي ومفاجئ لسائقين اشتغلوا لأكثر من عشر سنوات متواصلة، دون إشعار مسبق، ودون أي مسطرة قانونية واضحة، في استخفاف تام بحقوق الشغل، وضرب سافر لمبدأ الاستقرار المهني، واستهانة غير مقبولة بالكرامة الإنسانية.
فرابي لم يتحدّث عن حالات معزولة أو أخطاء تقنية، بل عن سياسة إقصاء ممنهجة، تم فيها التخلص من سائقين شكّلوا لسنوات طويلة العمود الفقري لهذه التطبيقات، وساهموا بشكل مباشر في انتشارها، وترسيخ ثقة الزبناء فيها، وتحقيق أرباح ضخمة لها، قبل أن يُرمى بهم خارج المنظومة بجرة “إلغاء حساب”، وكأنهم أرقام زائدة لا حقوق لها ولا تاريخ.
إن ترويج خطاب “إنهاء الشراكة” لا يصمد أمام الواقع، لأن ما جرى هو فصل تعسفي بكل المقاييس، تم دون احترام لأبسط قواعد القانون الاجتماعي، ودون اعتبار للآثار الاجتماعية والاقتصادية المدمّرة التي خلّفها هذا القرار على سائقين يعيلون أسرًا، ولا يتوفرون على أي بديل أو حماية، بعد سنوات من العمل في وضعية هشّة فرضتها المنصات نفسها.
ومن موقعه النقابي، شدّد سمير فرابي على أن مطالب السائقين ليست امتيازات ولا مطالب تعجيزية، بل حقوق بديهية، في مقدّمتها الترسيم والاعتراف بوضعيتهم المهنية كعمّال فعليين، وليس كواجهة تقنية لتفادي المسؤولية القانونية، إضافة إلى تمكينهم من حقهم الكامل في التغطية الاجتماعية والصحية عن السنوات العشر الماضية بأثر رجعي، بما يشمل جميع المستحقات المرتبطة بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، أسوة بباقي الأجراء، ووفقًا لما تفرضه القوانين الوطنية وروح العدالة الاجتماعية.
وأكد فرابي أن هذا الملف يمثّل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية الدولة في حماية الشغل اللائق داخل الاقتصاد الرقمي، محذرًا من استمرار منطق الإفلات من المسؤولية، الذي يسمح لشركات عابرة للتطبيقات بتحقيق أرباح طائلة داخل البلاد، دون أي التزام اجتماعي، أو مساهمة فعلية في منظومة الحماية الاجتماعية.
ودعا الأمين العام للنقابة الديمقراطية للنقل السلطات المختصة والجهات الوصية إلى تحمّل مسؤولياتها كاملة، وفتح هذا الملف بشكل عاجل، وعدم الاكتفاء بدور المتفرّج، لأن الصمت في مثل هذه القضايا لا يُقرأ إلا كتواطؤ غير مباشر، ويُكرّس واقع الحكرة والإقصاء، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن كرامة العامل أقل قيمة من خوارزمية تطبيق.
ويُحسب لسمير فرابي هذا الموقف الواضح والجريء، وانخراطه الميداني والمسؤول في الدفاع عن فئة جرى تهميشها لسنوات، ورفضه منطق الأمر الواقع، وإصراره على وضع هذا الملف في صدارة النقاش العمومي، مؤكدًا أن التحديث الحقيقي لا يُقاس بعدد التطبيقات، بل بمدى احترام الإنسان الذي يقف خلف عجلة القيادة، وأن أي نموذج اقتصادي يُبنى على سحق الحقوق، مصيره السقوط مهما طال الزمن.
قم بكتابة اول تعليق