جامع الفنا بمراكش.. تلاشى رائحة المأكولات الزكية وتحل محلها رائحة الأزبال العفنة

أفريقا بلوس

حين تلفظ ساحة جامع الفنا بمراكش زوارها، بعد منتصف الليل، ينقلب الفضاء المخصص للمطاعم الشعبية غير القارة رأسا على عقب، ويكتسي حُلة مغايرة تماما لتلك التي يظهر عليها مساء كل يوم، حيث تزيّن المأكولات المرصوصة بعناية طاولات العرض وتستقطب الزبناء بكثافة.

بعد الساعة الواحدة صباحا يشرع أصحاب المطاعم، التي تعرض شتّى أنواع المأكولات، في تفكيك “الخيام” المنصوبة في الهواء الطلق، فتبرز أكوام هائلة من الأزبال يتم جمْعها بطريقة بدائية وعشوائية، فتتلاشى رائحة المأكولات الزكية وتحل محلها رائحة الأزبال العفنة.

يتمّ جمع الأزبال التي تلفظها مطاعم ساحة جامع الفنا من طرف شباب ينتقون من الأزبال ما هو صالح ليكون علفا للبهائم، ويحملونه إما في عربات مجرورة أو في الدراجات ثلاثية العجلات المعروفة بـ”التريبورتور”. أما الأزبال التي لا تصلح لشيء فتظل ملقاة على الأرض ريثما يأتي عمال النظافة.

مَشهد واحد من ليالي ساحة جامع الفنا قد يدفعك إلى أن تقرر عدم الأكل في هذه الساحة مهما بلغ إغراء لذة مأكولاتها، كالمشهد الذي عاينته هسبريس ليلة السبت/الأحد، حوالي الساعة الثانية صباحا، حين قام مستخدم بأحد المطاعم بوضع مجموعة من أدوات الطبخ من طناجر وصحون داخل سطل للقمامة.

بدأ المشهد بحمْل المستخدَم سطل قمامة أسود كبيرا وإفراغه في “بركاصة” على بعد خطوات من المطعم حيث يشتغل، ثم قام بغسله بالماء، دون أن يضع قفازات أو أي شيء للحفاظ على نظافة يديه، ودون أن يغسل كفّيه حمل طنجرة كبيرة ومجموعة من الأواني المستعملة في الطبخ، ووضعها في سطل القمامة الذي غسله بالماء.

حين يشرع أصحاب المطاعم في المغادرة، يتحوّل الفضاء المخصص لهم إلى ساحة تعج بالفوضى، حيث تخوض الأرجل وسط الأزبال المتعفنة، أما الأيدي فتحمل ما تبقى من المأكولات وترصها في صناديق بلاستيكية، ثم تمتد إلى نزع أنابيب أحواض غسل اليدين “Les lavabos”، ولا فرق بين هذا وذاك.

وسط هذه الفوضى التي تطبع عملية مغادرة أصحاب المطاعم المتنقلة بساحة جامع الفنا، والأزبال التي تغشى الأرض، كان ثمّة زبائن جالسون على كراسي ما تبقى من المطاعم يحشون مَعِدَهم بالطعام، في أجواء تنعدم فيها الشروط الصحية.

يقول راشدي اليعقوبي محمادي، رئيس الفدرالية الجهوية لجمعيات حماية المستهلك بجهة مراكش- آسفي، إن “مراقبة المأكولات التي تُباع في ساحة جامع الفنا، كما هو الحال في باقي مطاعم المدن المغربية، غير كافية، رغم الجهود التي تبذلها المصالح المعنية بالمراقبة”.

قبل أشهر رفعت سلطات مراكش درجة مراقبة ما يُعرض في مطاعم ساحة جامع الفنا، بعد تزايد شكايات السياح، وقال مسؤول في ولاية مراكش- آسفي، في تصريح للقناة الثانية، إن كل المأكولات التي تُعرض في الساحة تخضع لمراقبة صارمة تنصبّ حول الجودة، ومعرفة مصادر تحضير المأكولات، من لحوم وغيرها.

وإذا كانت لجان المراقبة، التي توفدها سلطات ولاية مراكش- آسفي، تراقب المأكولات التي تُعرض مساء كل يوم وسط القلب النابض للمدينة الحمراء، فإن مرحلة “ما بعد العرض” غير مراقبة، ذلك أن أصحاب المطاعم لا يبيعون كل ما يعرضونه من مأكولات، وبالتالي تُطرح علامات استفهام حول مصيرها: هل يتم التخلص منها، أم يُعاد بيْعها للمستهلكين في اليوم الموالي؟

انطلاقا من المعاينة التي قامت بها هسبريس، فإنّ أصحاب المطاعم في ساحة جامع الفنا يجمعون ما تبقّى من المأكولات، سواء اللحوم بمختلف أنواعها أو الأسماك الطرية أو التي سبق قليُها، وكذلك السلاطات، في صناديق بلاستيكية توضع في عربات يدوية، قبل شحنها.

تذهب المأكولات التي تبقّت لأصحاب المطاعم إلى أماكن عبارة عن “كراجات”، كما عاينت هسبريس، دون أن يتسنّى لها التأكد مما إن كانت تلك المأكولات توضع في ثلاجات، وهل يُعاد بيعها، أم يتم التخلص منها، وإن كان ذلك مستبعدا، نظرا لكون أصحاب المطاعم يحرصون على ترتيبها بشكل جيد في الصناديق البلاستيكية، مما يرجح أنه يعاد استعمالها.

ثمّة إشكال آخر يحدّ من فعالية المراقبة التي تخضع لها المأكولات المعروضة في ساحة جامع الفنا، كما هو الحال في المغرب كله، ويتعلق بالخصاص الذي تعاني منه لجان المراقبة على المستوى التقني، في ظل عدم التوفر على الأجهزة المخبرية الكافية لتقييم جيد لجودة المأكولات، كما أوضح راشدي اليعقوبي محمادي.

وأوضح اليعقوبي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن قلّة الجمعيات المدافعة عن حقوق المستهلك، خاصة في المدن السياحية مثل مراكش، يؤثر بدوره، بشكل سلبي، على جودة المراقبة، مرجعا سبب قلة الفئات العاملة في هذا المجال إلى عدم دعمها من طرف الدولة، بخلاف الجمعيات العاملة في مجالات أخرى.

وأضاف المتحدث ذاته أن جمعيات حماية المستهلك تلعب دورا فعالا في وقاية المستهلكين من المخاطر، سواء الصحية أو تلك المتعلقة بالخدمات، التي قد يتعرضون لها، كما أنها تساعدهم على نيل حقوقهم في حال ما كانوا ضحايا، مشيرا إلى أن “هناك مشكلا آخر، هو أن المستهلك المغربي يكون في أحيان كثيرة لطيفا جدا، إذ يتنازل عن حقه، وهذا ما يدفع مقدمي الخدمات إلى التقاعس عن تجويد عملهم”.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*