قاضٍ يُفعّل روح القانون.. حين تنتصر العدالة على النص الجامد

أفريقيا بلوس ميديا/ متابعة: محمد بنهيمة

في كل مجال نصادف أشخاص نموذجيين في فكرهم في علاقاتهم في تعاطيهم مع المجتمع في علاقاتهم الإنسانية و المهنية و في القضاء أيضا نصادف قضاة مختلفين عن أقرانهم و زملائهم في وقت تتشابك فيه القوانين وتتعقد فيه المساطر، حيث يبرز البعض ممن لا يكتفون بتطبيق النصوص بحذافيرها، بل يتجاوزون ذلك إلى تفعيل “روح القانون”، تلك الروح التي تنشد تحقيق العدالة لا مجرد تطبيق الأحكام. من بين هؤلاء القضاة، تبرز شخصية استثنائية، آمن بأن القانون وُضع لخدمة الإنسان، لا لمعاقبته فحسب، وأن العدالة لا تتحقق فقط بإصدار الأحكام، بل بتقدير الظروف، واستحضار المقاصد، وإعمال الحكمة.

هو قاضٍ كان لا يختبئ وراء فصول جامدة، بل ينفذ إلى أعماق كل ملف، يستقرئ السياقات، ويزن النوايا، ويميز بين من أخطأ عن عمد ومن قادته الظروف إلى الهفوة. لا تغريه السلطة ولا يسقط في فخ الشعبوية، بل يجعل من القانون أداة إصلاح لا وسيلة ردع فقط.

في إحدى القضايا، وقف أمامه شاب متابع بتهمة الخيانة الزوجية و محاولة استعمال وثيقة عرفية مزورة، خطأ ارتكبه لأول مرة تحت تأثير نزوة شيطانية عابرة بعدما ضبط بأحد الفنادق بنواحي البيضاء رفقة خليلته. وبدل إصدار أمر قاس بإعتقاله وهو شاب متزوج و أب و إطار يعمل في وظيفة محترمة اختار القاضي مسلكًا بديلًا، مذكّرًا الحاضرين أن العدالة ليست انتقامًا من الناس، بل ترشيدٌ لسلوكهم. قال بصوته الهادئ: “لسنا هنا لندين، بل لنهدي، والسلطة القضائية قوتها في حكمتها لا في قسوتها”. فكان أن صدر حكمه مقرونًا ببدائل للعقوبة، مرفوقًا بتوجيه إنساني، جعل من مكتبه ساعتها قاعة و لحظة للتربية أكثر من كونها مشهدًا للعقاب وطلب من زوجته الاختيار ما بين العفو و السماح و الحفاظ على اسرتها الصغيرة و اما المتابعة بالخيانة الزوجية و الحكم على الاسرة بالشتات و الأطفال بالتشرد و الطرد من الوظيفة فما كان منها إلا أن تنازلت وحافظت على عش الزوجية الذي كادت ان تعصف به نزوة شيطانيّة عابرة.

هذا القاضي لا يشتهر بكثرة الظهور، ولا يسعى لعدسات الكاميرات، بل تخلده القرارت التي يتحول فيها النص الجامد إلى حياة، والقانون إلى بوصلة أخلاقية.
كان مكتبه يتحول إلى مدرسة للعدالة المتنورة، حيث يتعلم المحامون والطلبة والمرتفقون أن القاضي لا يُقاس فقط بعدد الأحكام التي يصدرها، بل بعدد الأرواح التي يزرع فيها الأمل من جديد.

إنه من أولئك الذين يعيدون للعدالة هيبتها، لا بالزجر، بل بالتبصر. فهو من القضاة الذين يجعلون المواطن يثق أن المحكمة ليست مجرد فضاء للفصل بين الخصوم، بل ملاذ أخير لكل من انهارت أمامه السبل. ففي مغرب يضيق فيه الخيط بين الصواب والخطأ، تظل الحاجة ملحّة إلى قضاة يُفعلون روح القانون، ليتحوّل القضاء من مؤسسة للفصل في النزاع إلى مرآة تعكس قيم المجتمع النبيلة.
إنه القاضي الاستاذ عبد السلام بوهوش
نائب الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالبيضاء

بقلم: عزيز بنحريمبدة 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*