—بقلم: هئية التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
في سياق عالمي يتّسم بتصاعد المخاطر الطبيعية وتزايد آثار التغيرات المناخية، يبرز المغرب كأحد النماذج الإقليمية التي نجحت في تحويل تدبير الكوارث من ردّ فعل ظرفي إلى خيار استراتيجي سيادي، يندرج ضمن مقومات الأمن الوطني الشامل وحماية الاستقرار المجتمعي.
وقد أكدت الأزمات الطبيعية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، من زلزال الحوز إلى موجات الفيضانات المتكررة، وآخرها الفيضانات التي تعرفها مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة، أن الدولة المغربية راكمت خبرة مؤسساتية وميدانية متقدمة في مجال التدخل الاستباقي، والتعبئة السريعة، والتنسيق متعدد المستويات، بما يضمن أولوية حماية الأرواح وتقليص الخسائر المادية والاجتماعية.
وتعكس التدخلات الميدانية المنسقة لمختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والوقاية المدنية، والأمن الوطني، إلى جانب السلطات الترابية والمصالح الصحية والاجتماعية، نموذجًا عمليًا لتكامل الأدوار تحت قيادة مركزية واضحة، قوامها الجاهزية والنجاعة والسرعة في اتخاذ القرار. وهو ما يجعل من تدبير الكوارث في المغرب ملفًا يتجاوز المقاربة التقنية الضيقة، ليُدرج ضمن الرهانات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي وصمود الدولة.
وفي هذا السياق، يؤكد المصطفى الرزرازي، أستاذ إدارة الأزمات بجامعة محمد السادس متعددة الاختصاصات، والباحث بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أن ملف الكوارث يحظى بعناية خاصة من طرف جلالة الملك محمد السادس، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الاختيارات السيادية والاستراتيجية للمملكة. ويوضح أن تدبير المخاطر وحماية الساكنة لم يعودا مجرد ملفات قطاعية، بل أصبحا عنصرين مركزيين في معادلة الأمن الوطني الشامل.
ويشير الرزرازي، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن هذا البعد السيادي يتجسد بوضوح في الرعاية الملكية المباشرة لهذا الورش، من خلال توجيه مختلف المؤسسات المعنية نحو منطق اليقظة الدائمة، والتدخل الاستباقي، والمصاحبة الإنسانية والاجتماعية، مع ضمان تعبئة فورية ومنسقة لموارد الدولة عند وقوع الأزمات الكبرى، دون ارتباك أو تأخر.
ويضيف أن هذا الإطار الاستراتيجي مكّن المغرب من الانتقال من منطق التدبير الظرفي للكوارث إلى رؤية شمولية قائمة على تعزيز صمود الدولة والمجتمع، وتقوية قدرة المؤسسات والساكنة على التكيّف مع المخاطر الطبيعية المتزايدة. غير أنه، ورغم التقدم الملموس، يشدّد على ضرورة استكمال هذا المسار عبر ترسيخ ثقافة الوقاية المندمجة، وإدماج المخاطر المناخية في التخطيط الترابي، وبناء مدن أكثر مرونة واستعدادًا لمواجهة التحولات المناخية المتسارعة.
ويُعدّ القرار الملكي القاضي بإحداث منصات جهوية كبرى للمخزون والاحتياطات الأولية، تشمل الخيام، والأغطية، والأسرة، والأدوية، والمواد الغذائية، خطوة مفصلية في تكريس هذا النموذج. إذ تُمكّن هذه المنصات من التدخل الفوري والمنظم في حالة وقوع فيضانات أو زلازل أو مخاطر كيماوية وصناعية أو إشعاعية، بما يعزز قدرة الدولة على الاستجابة السريعة وتقليص زمن التدخل في الساعات الحرجة.
ويؤكد هذا التوجه أن المغرب لا يراهن فقط على نجدة ما بعد الكارثة، بل يشتغل بمنطق استباقي يجعل من الجاهزية اللوجستية، والتخطيط المسبق، والتنسيق المؤسساتي، عناصر حاسمة في حماية المواطنين وضمان استمرارية الحياة العامة في أصعب الظروف.
إن ما تشهده مناطق مثل القصر الكبير اليوم من تدخلات ميدانية منظمة، وتعبئة شاملة لمختلف الأجهزة، ليس سوى تجسيد عملي لرؤية ملكية استراتيجية بعيدة المدى، تعتبر أن الأمن لا يُختزل في البعد العسكري أو الأمني التقليدي، بل يشمل كذلك القدرة على حماية الإنسان في مواجهة الطبيعة وتقلباتها، وصون كرامته في لحظات المحنة.
وبهذا النموذج المتكامل، يرسّخ المغرب موقعه كدولة تبني سيادتها أيضًا من خلال صمودها، وتؤكد أن تدبير الكوارث لم يعد اختبارًا طارئًا، بل معيارًا حقيقيًا لنجاعة الدولة وقوة مؤسساتها.
قم بكتابة اول تعليق