—بقلم: محمد بنهيمة__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
مرآة المغرب… حين أسقطت الكرة أقنعة الدعاية وفضحت خوف الجنرالات
لم تكن نهائيات كأس أمم إفريقيا التي احتضنتها الجارة الغربية مجرد عرس كروي قاري عابر، بل تحولت، من حيث لم يكن مخططاً لها، إلى مرآة كاشفة، عرّت زيف الشعارات السياسية الجوفاء، وفضحت هشاشة الخطاب الرسمي القائم على التخويف والعداء، وأظهرت في المقابل عمق الروابط الإنسانية والتاريخية التي تجمع الشعبين الشقيقين الجزائري والمغربي. غير أن هذه الصورة الإنسانية المضيئة، التي رسمها المشجعون الجزائريون بعفويتهم وصدق مشاعرهم، سرعان ما اصطدمت بجدار سميك من الترهيب والوعيد، شيده نظام لا يرى في الحقيقة سوى تهديد مباشر لشرعيته الهشة.
منذ اللحظات الأولى لوصولهم إلى المملكة المغربية، ضجّت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو صورها مشجعو “الخضر”، عبّروا فيها عن صدمتهم الإيجابية مما عاينوه بأعينهم. لم تكن الصدمة مرتبطة بنتيجة مباراة أو أداء منتخب، بل بواقع ميداني يناقض تماماً الصورة السوداوية التي تم تسويقها لسنوات طويلة داخل الجزائر. مشجعون قادمون من وهران، قسنطينة، الجزائر العاصمة وعنابة، وجدوا أنفسهم أمام بنية تحتية حديثة، وملاعب بمعايير عالمية، وشبكة نقل متطورة، تتقدمها قطارات “البراق” فائقة السرعة، وطرقات سيارة تربط المدن المغربية بسلاسة تحسد عليها دول كثيرة.
أحد المشجعين القادمين من وهران قال في فيديو انتشر كالنار في الهشيم: “كنت أظن أننا سنرى مدناً عادية، لكن ما وجدناه في طنجة والرباط ومراكش يضاهي ما رأيته في عواصم أوروبية وأمريكية. النظافة، التنظيم، والجمال العمراني هنا يخطف الأنفاس”. شهادة بسيطة، صادقة، غير موجهة، لكنها كانت كافية لإحداث ارتباك داخل غرف الدعاية الرسمية التي اعتادت التحكم في السردية وإغلاق النوافذ أمام أي مقارنة غير مرغوب فيها.
وبعيداً عن الحديث عن الحجر والإسمنت، كانت أخلاق المغاربة هي الحدث الأبرز في روايات المشجعين الجزائريين. قصص عن استقبال حار، ومساعدة تلقائية، وابتسامات في الشوارع، ومقاهي فتحت أبوابها قبل أوقاتها، وأسر مغربية عرضت المبيت والطعام دون مقابل. روايات كسرت، في أيام قليلة، سنوات من التحريض الممنهج الذي صوّر المغربي عدواً متربصاً، لا جاراً شقيقاً تجمعه بالجزائري لغة ودين وذاكرة مشتركة.
هذه المشاهد الإنسانية، التي وثقتها كاميرات الهواتف لا أقلام الصحفيين، كانت أكثر ما أقلق صناع القرار في الجزائر. فالمشكلة لم تكن في كرة القدم، بل في الحقيقة العارية التي خرجت عن السيطرة. حقيقة تقول إن الشعوب لا تحمل الضغائن، وإن الكراهية المصطنعة لا تصمد طويلاً أمام التجربة المباشرة. لذلك لم يكن مستغرباً أن تتحرك آلة التخويف بسرعة، عبر تحذيرات مبطنة، وحملات تشويه، ورسائل واضحة مفادها أن “الإعجاب ممنوع”، وأن نقل صورة إيجابية عن المغرب خط أحمر.
لقد بدا واضحاً أن نظام الجنرالات لا يخشى المغرب بقدر ما يخشى المقارنة. يخشى أن يسأل المواطن الجزائري: لماذا تأخرنا؟ لماذا نملك الثروات ولا نرى التنمية؟ لماذا تُصرف المليارات على التسلح والدعاية بينما تُترك المدن للاختناق والتهميش؟ أسئلة خطيرة في نظر سلطة اعتادت الحكم بمنطق الخوف لا بمنطق الإنجاز.
إن ما حدث في المدرجات، وفي محطات القطار، وفي شوارع المدن المغربية، لم يكن حدثاً رياضياً عابراً، بل لحظة وعي جماعي كسرت احتكار الرواية، وأكدت أن الشعوب حين تلتقي تسقط الحدود الوهمية. كرة القدم، مرة أخرى، لم توحد فقط المشجعين، بل فضحت أنظمة تعيش على تغذية العداء، وتخشى أي نافذة تُفتح على واقع أفضل.
لقد كشفت “مرآة المغرب” ما حاولت الدعاية إخفاءه طويلاً: أن الخلاف ليس بين شعبين، بل بين شعب يتطلع للحياة الكريمة ونظام يخشى أن يرى مواطنوه النور.
قم بكتابة اول تعليق