بين كبح الاحتجاج وتسكين الغضب.. هل تُدار الأزمة الاقتصادية في الجزائر بعقلية أمنية؟

✍️بقلم: محمد بنهيمة__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة

تعيش الجزائر، في الأسابيع الأخيرة، على وقع توترات اجتماعية متصاعدة، تعكس عمق الاختلالات الاقتصادية وتآكل الثقة بين المواطن والسياسات العمومية. فبين شلل قطاع النقل، وتلويح التجار بالإضراب، وتنامي المخاوف من موجة غلاء جديدة، تبدو السلطة وكأنها تخوض سباقًا مع الزمن، لا لمعالجة جذور الأزمة، بل لاحتواء ارتداداتها الاجتماعية بأقل الخسائر السياسية الممكنة.
في هذا السياق، برزت إجراءات وُصفت بالاستعجالية، من بينها مراجعة بعض تعليمات البنك المركزي المتعلقة بإيداع السيولة، وهو مطلب قديم ظل التجار يرفعونه لسنوات دون تجاوب فعلي، إلى جانب وعود رسمية بتبسيط إجراءات فتح الحسابات البنكية. غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها الظاهرية، تطرح أسئلة جوهرية حول خلفياتها وتوقيتها، وما إذا كانت تعكس تحولًا حقيقيًا في المقاربة الاقتصادية، أم مجرد محاولة لامتصاص غضب اجتماعي آخذ في التصاعد.

ويرى أستاذ الاقتصاد نور الدين خولالي، وفق ما نقله موقع “أخبار شمال إفريقيا”، أن السلطات تنتهج مقاربة حذرة تقوم على التحكم في الإيقاع الاحتجاجي، مبرزًا أن الأولوية في المرحلة الحالية لا تُمنح لمعالجة الأسباب البنيوية للأزمة، بقدر ما تُوجَّه نحو منع تلاقي التحركات الاجتماعية المختلفة، خوفًا من تحولها إلى موجة احتجاج موحدة يصعب احتواؤها. ويضيف أن سرعة التحرك لإجهاض دعوات إضراب التجار تعكس هاجسًا سياسيًا وأمنيًا أكثر مما تعكس إرادة فعلية لإصلاح الخلل العميق الذي يعانيه الاقتصاد الوطني.

ولا تزال تداعيات شلل قطاع النقل حاضرة بقوة في الشارع الجزائري، حيث لم تقتصر آثارها على صعوبة تنقل المواطنين، بل فتحت الباب أمام مخاوف متزايدة من رفع محتمل لتعريفات النقل العمومي، ما يعني ضربة إضافية لقدرة المواطن الشرائية. فكل زيادة في تكاليف النقل تنعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات، وتغذي حلقة تضخمية يدفع ثمنها المستهلك النهائي، في ظل غياب آليات فعالة للضبط والمراقبة.

الأكثر خطورة أن أي توقف في نشاط محال التجزئة، خاصة المخابز والبقالات، قد يؤدي إلى اضطراب مباشر في توفر المواد الأساسية، ويُمهّد لارتفاع أسعار الخبز والمواد الغذائية اليومية. سيناريو كهذا لا يبدو بعيدًا في ظل هشاشة التوازنات الاجتماعية، خصوصًا وأن المواطن الجزائري يعيش منذ سنوات على وقع تآكل مستمر في دخله، بين أجور شبه مجمدة وتكاليف معيشة في تصاعد لا يتوقف.

وأمام هذا الواقع، يجد الجزائريون أنفسهم في مفارقة صارخة تزداد استفزازًا مع مرور الوقت. ففي بلد يُصنّف ضمن كبار منتجي الطاقة، ويملك موارد طبيعية ضخمة، يعاني المواطن من صعوبات يومية في التنقل وتأمين أبسط احتياجاته الأساسية. مفارقة تطرح بقوة سؤال توزيع الثروة وفعالية السياسات الاقتصادية، وجدوى الإنفاق العام الذي يُفترض أن يترجم إلى تحسين ملموس في مستوى المعيشة.

لم تعد تساؤلات الشارع محصورة في تفاصيل تقنية أو مطالب ظرفية، بل اتجهت نحو جوهر الخيارات الاقتصادية المعتمدة، وطبيعة النموذج التنموي الذي أُريد له أن يكون بديلًا عن الريع، فإذا به يعيد إنتاج الهشاشة نفسها. ويذهب كثيرون إلى أن الأزمة لم تعد أزمة إجراءات أو قوانين، بل أزمة رؤية وإدارة، حيث يتم التعامل مع المطالب الاجتماعية بمنطق الاحتواء الأمني بدل الإصلاح الاقتصادي العميق.

في ظل هذا المشهد، تبدو الإجراءات المعلنة أقرب إلى مسكنات ظرفية، تُخفف الضغط مؤقتًا لكنها لا تعالج أصل الداء. فاحتواء الاحتجاج قد ينجح مرحليًا، غير أن تجاهل أسبابه البنيوية لا يؤدي إلا إلى تراكم الغضب في صمت، إلى أن يجد لحظة انفجار قد تكون أكثر كلفة وتعقيدًا.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تملك السلطات الجزائرية الجرأة السياسية للانتقال من سياسة تدبير الغضب إلى سياسة الإصلاح الحقيقي؟ أم أن البلاد ماضية نحو إعادة تدوير الأزمة نفسها، في حلقة مفرغة يكون المواطن فيها الحلقة الأضعف والدافع الدائم للثمن؟

✍️إمضاء: محمد بنهيمة_مدير الموقع بالنيابة

جميع الحقوق محفوظة ©__أجي تشوف لايف

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*